ماذا تحتاج الدولة لبناء مجتمع سعيد؟ (فرضيًّا وعمليًّا)

210

إعلان

بناء مجتمع سعيد –

جغرافيًّا ،ينقسم العالم إلى قارات عملاقة ،تنقسم هي بدورها إلى دول .الدولة في مفهومها المتداول تمثلها مجموعة من الأفراد الذين يمارسون نشاطهم المدني في إقليم جغرافي محدد ،وبالتالي فهم يخضعون لنواميسه سواء كان ذلك إراديّا أو لاإراديا. هذا النظام السياسي يقع الإتفاق عليه بهدف تأسيس نظم ديمقراطية عن طريق الإنتخاب. الدولة المشرفة الأولى قانونياًّ، نظاميا ودبلوماسياًّ على جملة من الأنشطة السياسية، الإجتماعية والإقتصادية والثقافية. الهدف من وجود هذا الهيكل هو البناء الفعال لكامل مرافق المجتمع، تحسين مستوى عيش الأفراد، تنظيم العلاقات بين الأفراد بواسطة هيئات ومؤسسات تسخر لهذا الشأن.

 

لا يختلف فلاسفة العقد الإجتماعي في أن الدولة تستمد مشروعيتها من العقد الإجتماعي بإجماع على أنها جاءت كحاجة بشرية لتنظيم أمور عيشهم وأمنهم وإستقرارهم، حريتهم، حاجياتهم وممتلكاتهم. مقولة شهيرة تقول “عندما تمنح الآخرين السعادة ستحضى بها”.

 

إعلان

هل تمنحنا دولتنا التي ننتمي لها درجات من السعادة ؟! وإن كانت لا تفعل فماذا تحتاج لبناء مجتمع سعيد ؟

المجتمع السعيد هو مجتمع يحضى فيه مواطنوه بفرص لا حصر لها في أن يكونوا آمنين، مستقرين، يتمتعون بصحة جيدة وبالتالي المرفق الصحي يمنحهم خدمات كثيرة للعلاج والتداوي. يكون المرء قادراً على إحتواء نفسه بطرق شتى منها الضحك والترفيه عن النفس من حين إلى آخر، كذلك تكون علاقاته المجتمعية والشخصية والأسرية على أحسن ما يرام، ثم بإعتباره في كنف دولة مسؤولة عن رعاية أبنائها منهم المحتاجين وضعاف الحال وفاقدي السند والمأوى وبإعتباره يتلقى خدمات الرعاية اللازمة فيمكن تصنيفه كفرد في مجتمع سعيد.

تعتبر المجتمعات البوذية أول المجتمعات التي تضع ضمن أولوياتها مهمة إسعاد مواطنيها، برعاية زعميهم الروحي وإدعاءه سنة 1972 أن إجمالي السعادة العالمي أكثر أهمية من إجمالي الناتج المحلي. وهو ما جعل العديد من دول العالم تتبنى هذه الفكرة مع سعي حثيث إلى تطبيقها.

في 2010 تطوّر المملكة المتحدة برنامجا للرفاهية و الذي إتخذت له إسم”the wellbeing program”. والذي إستهدف بدوره عشرة مجالات. بدورها أطلقت نيوزيلاندا مشروع “ميزانية الرفاهية ” الذي وجّه للمناطق والفئات التي لا تحضى بالأمن والأمان. حسب التقرير العالمي للسعادة هناك 6 أساسيات لإرساء مجتمع سعيد وهي على التوالي :

  1. الدخل الفردي
  2. الحياة الصحية وتوقعاتها
  3. الرعاية الإجتماعية
  4. الحرية
  5. الثقة
  6. الكرم

البلدان الإسكندنافية تحتل التصنيفات العالمية الأولى حيث صنفت كأكثر البلدان سعادة في العالم. وحاليا تعد فنلندا هي الأولى عالميا. وكل ذلك راجع بالأساس إلى التطبيقات الجديّة والحازمة للمشاريع التي وقع التشريع لها. بيد أن الأمم التي عانت ويلات الحروب ومازالت تشهد سطوتها كالبلدان الواقعة جنوب السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى وأفغانستان لم تولي سلطاتها إهتماما في هذا الشان. ولسائل أن يسأل هل تقوم مفاتيح السعادة حقّا على ست مكونات دون سواها؟! ماهية البرنامج لا كيفية تطبيقه على أرض الواقع، نظرية بسيطة نافعة ومضرّة في آن. وذلك لأنها تركز على السعادة في معناها لا في كيفية تجذيرها وتحقيقها.

إعلان

بناء مجتمع سعيد –

كيف بإمكاننا معرفة ما إن كان ما توصلنا إليه قياسيا هو الأهم؟

تحدد التصنيفات العالمية لمستوى السعادة بقياس درجات الرضا عن الحياة .لكن هذا القياس يبقى بعيدا جداً وغير واضح إذ إقتصر فقط على قياس الرفاه العاطفي داخل مجتمع ما. المملكة المتحدة مثالا إعتمدت هذه الفرضية في برنامجها العالمي للرفاهية وتعهدت بمزيد البحث سعياً لتطوير مجالات السعادة.

 

إذن كيف بإمكاننا معرفة أي المجالات أكثر أهمية في مجتمع ما ؟

إعتماداً على سبر الآراء وإستطلاع الرأي و جملة من الأسئلة الموجهة للعامة بإمكاننا معرفة أي الإقتراحات أكثر نفعاً وتماشيا في مجتمع معين. ومنه النظر في إجمالي الناتج المحلّي والدخل الفردي. نختلف ذهنيا وعمليا في سعينا وراء السعادة .كل يعيش حياته بنسق مختلف ولكلّ منا عناصر محددة للسعادة. البعض يرى أن الوقوع في الحبّ كافٍ ليستشعر السعادة وآخر يرى سعيه الدائم لكسب المال سيجلب له سعادة وآخر يرى أن السعادة أن تخلو الأوطان من الحروب والضغائن وأن يحلّ السلام بين الأمم. لكن هذا الإعتقاد يجعلنا موهومين على المدى الطويل حيث لا يمكن لعنصر ظنناه محددا للسعادة أن يدوم بنفس النسق ،قد يأتيه حين ويندثر كلّيا.

الحياة أكثر تعقيدا من هذا. فقدان الأمن، التجارب المخيبة للأمل، الفشل، الخسارة، والمعاناة كلها محطات حقيقية نمر بها. والإفراط في التركيز على الأشياء الجالبة للسعادة دون سواها قد يعمي بصائرنا عن أشياء أهم، ونطمس ذواتنا ونحرمها رغد الحياة. يركز علماء النفس على حد السواء بين المكونات التي تحدد سعادة الفرد و القدرات التي يحتاجها ليكون سعيداً مع حتمية تعرّضه لظروف قد تجعله هشّا.

“الموجة الثانية ” من علم النفس الإيجابي تهتم بما يخلص من المشاعر السلبية أكثر من المشاعر الإيجابية. ثورة التركيز الكامل للذهن، إلحاح للعقل للذهاب وراء المفاهيم والنبش فيها بكل ما إحتوته من غث وسمين، سيء وجيّد نبحث حتى نجد أنفسنا قد تعلّمنا كيفية تقبّل الأشياء كما هي! تركيز هذه الفرضيات السابقة حول الظروف التي تجعل المرء سعيدا حتى مع وجود ظروف قاهرة كإنعدام الأمن والأمان تعد هزيلة جداً.

يميل السعداء إلى التواضع دون اليقين والفضول دون الإستعجال وإلى التعاطف دون اللوم والتوبيخ. وعليه بإمكاننا تطبيق هذا التمشي على الصعيد العالمي. خلق مجتمع سعيد لا يقتضي النظر في القضايا المطروحة فحسب بل أيضا تعزيز القدرات على إكتشاف ما هو أهم. ندرك هذا حين نلج فضاء العمل المؤسساتي. ندركه كذلك في التعليم ،حيث يدفعنا حب التعلم والفضول إلى طرح التساؤلات والنقاش وبالتالي تكون نتائج الإمتحانات مرضية.

في الأكاديمية، بإمكاننا معرفة حقائق علمية مدهشة، الكثير من الفرضيات العلمية يمكن تجاوزها بفرضيات أخرى وهو ما يجعل أذهاننا مفتوحة دائما. خلق مجتمعات سعيدة لا يقتضي فقط خلق ظروف ملائمة للعيش لكن أيضا خلق مؤسسات حقيقية تتسم بالنزاهة والشفافية وعوامل لإكتشاف هذه الظروف المناسبة التي سنظل دائما في بحث متواصل عنها (النسبية).

المرجع: QZ

بناء مجتمع سعيد –

إعلان

Facebook Comments