طفلي عبقري… إذا أخبرتكم المدرسة أن ولدكم قليل الاستيعاب، أخبروه أنتم أنه بالغ الذكاء

105

كيف تتصرفون إذا أرسلت لكم المدرسة رسالة مفادها أن ابنكم (أو ابنتكم) سيفصل من الدراسة بسبب تخلفه وقلة استيعابه؟

ربما ستشعرون بخيبة الأمل.

لكن السيدة نانسي ماثيرز إليوت لم تفعل ذلك، بل لم تخبر طفلها بما جاء بالرسالة، حرّفت مضمونها قارئة “إن المدرسة تعتذر عن تدريس طفلكم نظراً لذكائه البالغ، الأمر الذي قد يجلب الإحباط لزملائه”.

وقررت – بدلاً من توبيخه وإلقاء اللوم عليه- أن تكون هي مدرّسته وبوابته للمعرفة ليكبر هذا الطفل ويصبح واحداً من أعظم العلماء عبر التاريخ إذ قدم للبشرية ما يتجاوز الألف اختراع، كما تدين له الإنسانية اليوم بالعرفان لاكتشافه الأهم: المصباح الكهربائي.

عن إديسون وعن علاقته بأمه نتحدث.

فماذا لو أن ابنكم (أو ابنتكم) عبقري من دون أن تدروا؟ كيف تكتشفون ذلك؟ وكيف تتعاملون معه؟

ما الفرق بين الذكي والموهوب والعبقري؟

عام 1905، ابتكر ألفريد بينية وتيودور سيمون اختباراً يكشف معدل ذكاء الإنسان. وقد أوضح هذا الاختبار أن متوسط الذكاء ما بين 75 إلى 100 درجة بينما يتزايد عند أصحاب العقلية الأكثر ذكاءً. فمثلاً آينشتاين بلغ ذكاءه 160 درجة أي أنه حاد الذكاء. بينما بلغ معدل ذكاء نابليون 145 درجة، أي أنه في مرتبة الذكاء المرتفع أيضاً.

ولكن، هل الذكاء البالغ يعني أن صاحبه عبقري؟

أقوال جائزة

  • الطفل العبقري معروف بالمثابرة، فهو بعكس الأطفال لا يمل من المحاولة حتى يصل إلى ما يريد.
  • العبقري لا ينشغل بتقييم المجتمع له، لذلك نرى صوراً لعباقرة مثل آينشتاين وهو يخرج لسانه للجميع.
  • العبقرية ليست اختياراً بل هي منحة قد تدفع الطفل إلى عدم الثقة بنفسه وذلك بسبب اختلافه عن الآخرين.

يربط أفلاطون في نظريته الشهيرة “الإلهام والعبقرية” بين الموهبة التي عرّفها ككلمة مشتقة من الهبة الإلهية والجنون، فالموهبة لهذا الفيلسوف اليوناني العظيم منحة تهبها الإلهة لمن تشاء، وبالأخص الإله زيوس الذي خلق للبشرية ربات الفنون وهن تسع بنات تخصصن في إلهام البشر بالفنون المختلفة، فللشاعر ربة، وللمسرحي ربة، وهكذا.

إذا كان العلم يرى أن الذكاء الحاد يدل على العبقرية، فإن أفلاطون يناقض تلك النظرية إذ يؤكد أن العبقرية هي نتاج الجنون والهوس أو على حد تعبيره المس الإلهي، وهو ما ذكره الدكتور عبد المعطي محمد في كتابه “الإبداع الفني وتذوق الفنون الجميلة” عن رؤية أفلاطون للإلهام إذ يشير إلى أن الشاعر مجرد وسيط يلقى علينا ما تريد الآلهة أن تخبرنا به.

وبعيداً عن ارتباط الموهبة بالآلهة، فإن الموهبة حيرت علماء النفس فعلاً، فلم يتمكن أحد من تحديد مصدرها ولا أسبابها، ولكن المتفق عليه أن الموهبة قرينة العبقري.

ولكن، هل كل موهبة يمكن أن نسمي صاحبها عبقرياً؟

 

تجيب شيماء أحمد إبراهيم اختصاصية علم النفس التربوي لمجلّة “رصيف22″، “لا يمكن أن نعتبر الذكاء الحاد هو المعيار الوحيد للعبقرية، وكذلك الموهبة، فأصحاب المواهب كُثر، بينما العباقرة لا تبلغ نسبتهم 2% من مجمل البشر، أي أنها حالة بالغة الندرة، ولكن لا يمكن أن نفصلها في الوقت نفسه عن الذكاء والموهبة، لعل الفيصل الأهم هو الإبداع والابتكار اللذان من خلالهما يمكن تحديد الشخص إذا كان عبقرياً حقاً أم مجرد موهوب”.

كيف أعرف أن ابني عبقري؟

تؤكد ابراهيم أن للأطفال قواسم مشتركة، منها: الشغف بالفن، فالإنسان بطبيعته فُطر على حب جميع أنواع الفنون. وكذلك يتسم الأطفال بخيال واسع.

وتوضح: “الطفل العبقري مختلف ومتفرد عن أقرانه، ليس محباً للفنون فحسب بل أنه – لا بد- أن يكون موهوباً في مجال ما، وقد يظهر نبوغه في مجال بعينه في سن مبكرة نسبياً، فأفلاطون مثلاً استوعب الهندسة والجبر وهو في الثامنة، وعكف على دراسة التفاضل والتكامل وهو في الحادية عشرة بينما شرع في قراءة التاريخ وهو في السادسة، أما صلاح جاهين فقد نظم أول قصيدة له وهو في الخامسة من عمره”.

ترى شيماء أن الطفل العبقري معروف بالمثابرة، فهو بعكس الأطفال لا يمل من المحاولة حتى يصل إلى ما يريد، بينما الطفل العادي ينزعج من كثرة المحاولات الفاشلة وربما يكسر لعبته بدافع من الملل.

تضيف أحمد: “كثيراً ما يُطلق على العباقرة أنهم غريبو الأطوار، وهذا صحيح إلى حد كبير، فالعبقري لا ينشغل بتقييم المجتمع له، ربما لذلك نرى صوراً منتشرة على الإنترنت لعباقرة مثل آينشتاين وهو يخرج لسانه للجميع، ليس آينشتاين يفعل ذلك فحسب ولكن هذه سمة مشتركة بينهم جميعاً”.

تشير إبراهيم إلى دراسة أجرتها كلية الاقتصاد بلندن بالتعاون مع جامعة سنغافورة، وخلاصتها أن الأطفال العباقرة يفضلون الوحدة، ويشعرون بالانزعاج في التجمعات، وأنهم يحبذون الانفراد مع أفكارهم الداخلية عن أي شيء آخر.

تستطرد شيماء: “دائماً يكون الطفل العبقري كثير التساؤلات، ولا يرضى سوى بإجابات مقنعة ومحددة، ولا يحب من يسخر منه أو يتجاهله. بطبيعته سيبحث عن الإجابات بشتى الطرق، ولن يتوقف حتى يعرف المزيد ثم إنه أيضاً يفكر دوماً في تطوير ما يسمعه، وهذا ما سيجعل منه مبدعاً في ما بعد”.

إذا كان طفلكم شغوفاً بمجال ما، ومثابراً لا ييأس، وغريب الأطوار، ويفضل الوحدة، ويكثر من الأسئلة… فاعلموا أن في بيتكم عبقرياً.

كيف نتعامل معه/ا؟

و تحدد الاختصاصية عدة طرق للتعامل مع الطفل العبقري.

الثقة: وهي عنصر أول ما يحتاج إليه هذا الطفل، علينا أولاً أن ندرك أن العبقرية ليست اختياراً بل هي منحة قد تدفع الطفل إلى عدم الثقة بنفسه وذلك بسبب اختلافه عن الآخرين، لذا فإن منحه الثقة عن طريق الاهتمام بشغفه، وتدعيمه، ومحاولة إفهامه أنه مميز وأن البشرية في احتياج حقيقي لما يفعله، وأن بإمكانه أن يغير هذا العالم لو أراد.

لا تقارنوه بغيره: يعتقد بعد أولياء الأمور أن ابنهم ليس كباقي الأطفال، فهو مزعج ومنطوٍ ولا يهتم بمظهره، ولا حتى بدارسته من الأساس، وهنا –بدافع الحب- يحثه ولي الأمر على أن يكون مثل باقي الزملاء، وهو أمر خطر جداً، فأنت تطلب من شخصية متفردة قد يكون لها أثر عظيم في المستقبل بأن تصبح كغيرها من البشر لمجرد مجاراة المجتمع. بدلاً من ذلك عليكم تقبل اختلافه والاحتفاء به أيضاً.

العبقرية لا تقتصر على شيء: هناك خطأ شائع مفاده أن العبقرية مرتبطة بالعلم والمعرفة فقط، وهذا ليس صحيحاً، إنما هي مرتبطة بالموهبة، أي موهبة، هناك العبقري في الرياضة والعبقري في الأدب والعبقري في السياسة… إلخ. وقد يكون اهتمام طفلكم منصباً على مجال يراه ولي الأمر تافهاً كحبه لرياضة ما مثلاً أو شغفه بالموسيقى، فيظن ولي الأمر أنها مجرد هوايات تمارس بجانب الدراسة، وهذا غير صحيح.  ففي هذه الحالة، لا بد أن يكون شغف الطفل هو الأساس والدراسة هي من تمارس إلى جانبه.

شاركوه الشغف: كن صديقاً له، حب ما يحبه وشاركه فيه، إذا كانت المؤسسات المدرسية لا تنتبه لعبقرية طفل بعينه، فالأسرة يجب أن تفعل ذلك، لا تستهينوا بما يقوم به، فإن أعظم الشخصيات التي غيرت هذا العالم بدأت بالشغف بأمور بدت وقتها تافهة. غير أنها وجدت من يرعاها لتصبح عظيمة.

ابحثوا معه عن أجوبة: البعض يظن أن كثرة كلام الأطفال دافعه الثرثرة، ولكي يتخلص ولي الأمر من هذه الثرثرة الفارغة كما يعتقد، ينهر الطفل، وهو خطأ دائماً ما يسقط فيه أولياء الأمور مع الآسف. فالكلام للطفل بمثابة بوابة تكشف ما يدور بداخله وتعبر عن رؤيته للعالم. إذا كانت هناك أسئلة لا تعرفون إجابة واضحة عنها، فعليكم أن تشاركوه في البحث عنها، نحن اليوم نعيش عصراً مزدهراً بالتكنولوجيا الحديثة حيث البحث عن إجابات لم تعد بالصعوبة التي كانت عليها في عصور ماضية.

إننا نعيش اليوم في عصر التكنولوجيا والمعرفة الحديثة ونستمتع بالفنون وننعم بالراحة بفضل هؤلاء العباقرة الذين أفنوا حياتهم لإيجاد حياة أفضل لنا جميعاً. فإذا كان طفلكم واحداً من هؤلاء فلا تحرموا البشرية من إنجازاته المستقبلية. فربما كان سبباً في ابتكار شيء عظيم.

 

مصادر: رصيفــ22، أهرام

 

اترك رد