YOUTH Magazine

إعلان

إعلان

صلوات على نغم الإيقاعات

نسيم بارد يصاحبني بين ركوع وسجود في ساحة أقدم جامع بالعاصمة تونس وثاني أقدم جامع بعد جامع عقبة بن نافع بالقيروان.. يربض الحمام ساكنا على حافة الحائط.. يسكنُ بعد صخب يوم طويل في ساحة الزيتونة المعمور.. يتماهى سكون الحمام مع حركات الصلاة الهادئة والخاشعة للمصلين.. كأن الحمام يشاركنا صلاتنا.

تتوالى الصلوات في خشوع مهيب.. وفي روحانيات رمضانية.. مختلفة عن باقي الأشهر.. خاصة بهذا الشهر الكريم.. ومع بدأ انتهاء صلاة التراويح.. أسمع غير بعيد دندنات أورغ متداخلة مع آيات الذكر الحكيم.. ثم ارتفع الصوت أكثر فأكثر.. مغن يغني تصاحبه آلة الأورغ.. تداخلٌ بين الأصوات.. يواصل الإمام الصلاة.. بين موشحات تونسية في قلب المدينة العتيقة وبين تلاوة القرآن الكريم في آخر ركعتين من صلاة التراويح … ثم الشفع والوتر وأخيرا الدعاء.. فبين يا عفو أعف عنّا يأتي صوت الإمام مختلطا بأغنية تونسية تراثية على ما أذكر.. في خضّم هذا المزيج.. يحاول المرء التركيز ما استطاع إليه سبيلا.. مذكرا النفس في تلك اللحظات بقدسية ما يتلى.. على ما يبدو مقهى قريب من جامع الزيتونة تبدأ وصلة فرقته الموسيقية الحادي عشر إلا ربع ليلا.. أي قبل انقضاء الصلاة بربع ساعة.. أتممنا الصلاة والدعاء..

يكاد صوتي لا يسمع وسط أصوات الموسيقى المرتفعة بساحة الجامع.. وكأني أتحدث همسا مع من حولي.. ولكني في واقع الأمر أصرخ لكي يسمع ما أقول.. لا مبالغة في المشهد.. هكذا هو بحذافيره.. أهم بالمغادرة مع عائلتي.. ورحلة تبدأ من باب الجامع حتى الوصول للسيارة. يغص سوق المدينة العتيقة برواد المقاهي. رائحة البخور المنبعثة من حوانيت السوق تضيف عبقا خاصا على طول الطريق. زجاجات العطور البلورية المتراصة بألوان مختلفة. مررنا بجامع سيدي يوسف .. فمستشفى عزيزة عثمانة.. فساحة القصبة وصولا لمكان السيارة. لا تهدأ المدينة العتيقة طوال شهر رمضان في الليل. سهرات صاخبة و أخرى هادئة.

تُعرف المدينة العتيقة بالسهرات الرمضانية في المقاهي المحاذية لجامع الزيتونة منذ سنوات عديدة وهذا ليس بجديد وربما أصبحت زيارة قاطني ولاية تونس للمدينة«العربي» للسهرات أو للصلاة تقليدا أو طقسا سنويا داخل المجتمع التونسي في شهر رمضان. لكن هذا العام مختلف تماما.. لم يصادف العام الماضي مثلا أن يصاحب صلاة التراويح مقطوعة موسيقية وبصوت فنان على بعد بضعة أمتار من جامع الزيتونة. شدة وضوح الدندنات التي سمعتها ذكرتني بالمثل القائل: “لكل مقام مقال” .. مقام الصلوات بجامع ضارب في القدم .. ذو الرمزية التاريخية .. مع مقال الدندنات الموسيقية.

ماذا لو كان لكل مقام مقال فعلا؟

ماذا لو أخرت السهرة الفنية ربع ساعة فقط عند انتهاء الصلاة بالجامع الأعظم ليستمتع كل على ليلاه؟

تيسير الطرابلسي

Facebook Comments