YOUTH Magazine

هل حقًا الأشخاص الأكثر نجاحًا هم الأكثر حظًا؟

هذا المقال مترجمٌ من "ساينتيفيك أمريكان" ؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على YOUTHMagazine.tn

0 177

الأشخاص الناجحين و الحظ

دائمًا ما تتحدث المجلات الشهيرة عن أهم أسرار النجاح، فتذكر الموهبة والمهارة والقوة الذهنية والعمل الجاد والمثابرة والتفاؤل وعقلية التطور والنمو والذكاء العاطفي كصفات عادة ما يمتلكها الأشخاص الناجحون.

لكن هل هذا الافتراض صحيح؟

نشرت مجلة «ساينتيفيك أمريكان» الأمريكية تقريرًا للكاتب والأخصائي النفسي سكوت باري كوفمان يتحدث فيه عن دور الحظ في النجاح. قضى الكاتب حياته المهنية في دراسة الخصائص النفسية المؤدية للإنجاز والإبداع، ووجد أن بعض الصفات – كالعاطفة والمثابرة والخيال والفضول الفكري والتطلع إلى التجربة – تفسر بعض الاختلافات في أسباب نجاح الأشخاص، لكن لا يزال هناك الكثير من الغموض حول أسباب النجاح.

في السنوات الأخيرة، اقترحت بعض الدراسات والكتب – منها ما هو للمتخصص في تحليل المخاطر نسيم طالب، وخبير الاستثمار مايكل موبوسين، والاقتصادي ريتشارد فرانك – أن الحظ قد يلعب دورًا أكبر مما نتخيل في النجاح في العديد من المجالات، بما فيها التداول المالي والتجارة والرياضة والفن والموسيقى والأدب والعلوم. لم تزعم تلك الدراسات أن الحظ هو السبب الوحيد، بل أكّدت أن الموهبة لها دور مهم. لكن هذه الدراسات تشير إلى أننا نفقد عنصرًا رئيسيًا في محاولاتنا لفهم عوامل النجاح إذا وضعنا كامل تركيزنا على الصفات الشخصية فقط وتجاهلنا الحظ.

إليك بعضًا مما توصلت إليه تلك الدراسات

  • قرابة نصف الفروق في الدخل بين الناس في جميع أنحاء العالم يتحدد بناء على بلد إقامتهم وتوزيع الدخل في هذا البلد.
  • لا يمكن التنبؤ بالنجاح في المجال العلمي. فقط الإنتاجية العالية تملك تأثيرًا – ولو كان محدودًا – على احتمال النجاح وترك أثر في المجالات العلمية.
  • قد تتأثر فُرَصك في أن تصبح رئيسًا تنفيذيًا باسمك أو شهر ميلادك.
  • عدد الرؤساء التنفيذيين المولودين في شهري يونيو ويوليو (حزيران وتموز) أقل كثيرًا من عدد الرؤساء التنفيذيين المولودين في باقي الأشهر.
  • كلما كان الحرف الأول في اسم عائلتك أقرب لبداية الحروف الأبجدية، زادت فُرصتك في الحصول على منصب في الإدارات العليا.
  • كتابتك للحرف الأول من اسمك الأوسط يزيد من تقييم الناس لقدراتك وإنجازاتك.
  • يحكُم الناس بإيجابية على الأشخاص ذوي الأسماء سهلة النُطق أكثر من ذوي الأسماء صعبة النُطق.
  • الإناث ذوات الأسماء التي تُنطق بصوت قريب لأسماء الذكور أكثر نجاحًا في المهن المتعلقة بالقانون.

تطرح هذه النتائج سؤالًا مهمًا: هل الأشخاص الأكثر نجاحًا هم الأكثر حظًا في مجتمعنا؟ إذا كان هذا صحيحًا، فمن شأنه أن يكون له بعض التأثير على توزيع الموارد، وقد يعني ذلك أيضًا أن الأغنياء والناجحين يعملون لصالح المجتمع، لا من أجل أنفسهم للحصول على المزيد من المال والنجاح.

في محاولة لتسليط الضوء على هذا الأمر، تعاون الفيزيائيان الإيطاليان أليساندرو بلوتشينو وأندريا راسبيسَردا مع الاقتصادي الإيطالي وأليزيو بيوندو في محاولة لتحديد دور الحظ والموهبة في حياة الناجحين. اقترح هؤلاء الباحثون نموذجًا رياضيًا مُبسّطًا يحاكي تطور الحياة المهنية لمجموعة من الناس على مدار حياتهم العملية، أي من سن العشرين إلى الستين.

قام الباحثون الإيطاليون بدراسة عدد كبير من الأفراد الافتراضيين – تمت تسميتهم «عملاء» – على درجات مختلفة من «الموهبة» ومراقبة ما تكشف عنه حيواتهم على مدار مسيرة كل منهم العملية. وقد قام الباحثون بتعريف الموهبة بأنها مجموعة من الصفات والخصائص الشخصية التي تسمح للشخص باستغلال الفرص التي تحمل حظًا جيدًا. يمكن أن تتضمن الموهبة صفات مثل الذكاء والمهارة والدافع والعزم والتفكير الإبداعي والذكاء العاطفي، وغير ذلك. أي أن الأشخاص الأكثر موهبة هم الأكثر احتمالًا للاستفادة من الفرص التي تمر عليهم بأكبر قدر ممكن.

عدد الأفراد الافتراضيين في بداية الدراسة يساوي ألفًا.

Initial setup of simulations (N=1000 agents)
Credit: Pluchino, Biondo, & Rapisarda 2018

يبدأ جميع الأفراد الافتراضيين المحاكاة بنفس المستوى من النجاح، والذي يساوي 10 وحدات. كل ستة أشهر، يتم تعريض الأشخاص لأحداث تحمل حظًا جيدًا ممثَلة باللون الأخضر، وأحداث تحمل حظًا سيئًا ممثَلة باللون الأحمر. كلما واجه الشخص حدثًا يحمل حظًا سيئًا، يتم تخفيض نجاحه إلى النصف، وعندما يواجه حدثًا يحمل حظًا جيدًا، يتم مضاعفة نجاحه بشكل نسبي إلى موهبته، وذلك بهدف محاكاة التفاعل بين المواهب والفرص في العالم الحقيقي.

توصل الباحثون في الدراسة إلى نتائج تعزز مبدأ باريتو، والذي يقول إن 80% من النتائج سببها 20% من الأسباب فيما يعرف بقاعدة 80-20، أي أن عددًا قليلًا من الناس سوف يحققون النسبة الأكبر من النجاح الموجود في المجتمع. في النتيجة النهائية للمحاكاة، وجد الباحثون أنه على الرغم من كون الموهبة مُوزّعة بالتساوي، فإن الحظ ليس كذلك. امتلك الأشخاص العشرون الأكثر نجاحًا 44% من إجمالي الحظ، بينما انتهى الأمر بنصف السكان تقريبًا بامتلاك أقل من 10 وحدات من النجاح، وهي عدد الوحدات في بداية المحاكاة. تبدو هذا النتائج متوافقة في العالم الحقيقي، على الرغم من أن هناك بعض الآراء بأن الثروة في العالم الحقيقي موزعة بشكل غير متساو أكثر من ذلك، إذ إن ثمانية رجال فقط يمتلكون نفس الثروة التي يمتلكها نصف سكان العالم الأقل ثروة مجتمِعين.

توزيع الموهبة، والذي يُمثَّل بتوزيع احتماليّ طبيعي.

Credit: Pluchino, Biondo, & Rapisarda 2018

توزيع النجاح، والذي يُمثّل بتوزيع منحرف.
Credit: Pluchino, Biondo, & Rapisarda 2018

على الرغم من أن هذا التوزيع غير المتكافئ قد يبدو غير عادل، قد يكون مبررًا إذا تبين أن الأشخاص الأكثر نجاحًا هم الأكثر كفاءة وموهبة. في الواقع، كان لدى الأشخاص ذوي الموهبة الأكبر احتمالٌ أكبر لزيادة نجاحهم من خلال استغلال الفرص، كما أن أغلب الأفراد الناجحين كانت موهبتهم أعلى من المتوسط. على الرغم من ذلك، فإن هذا لا يعني أن الأشخاص الأكثر موهبة كانوا دائمًا هم الأكثر نجاحًا. بشكل عام، كان للأفراد متوسطي الموهبة والمحظوظين نجاح أكبر مما حققه الأكثر موهبة ولكن أقل حظًا. كان الأشخاص الأكثر نجاحًا أعلى قليلًا من المتوسط في الموهبة، لكنهم كانوا من بين الأكثر حظًا.

يمكنك النظر إلى تطور نجاح الشخص الأكثر نجاحًا، والشخص الأقل نجاحًا في محاكاة من بين التي أجراها الباحثون، كما في الرسم التالي.

تطور نجاح الشخص الأكثر نجاحًا، والشخص الأقل نجاحًا.
Credit: Pluchino, Biondo, & Rapisarda 2018

كما يمكنك أن ترى، فإن الشخص الأكثر نجاحًا باللون الأخضر، واجه مجموعة من الأحداث التي تحمل حظًا جيدًا على مدار حياته، بينما مرّ الشخص الأقل نجاحًا باللون الأحمر والذي كان أكثر موهبة من الشخص الآخر بعدد كبير من الأحداث التي تحمل حظًا سيئًا على مدار حياته. وقد علّق الباحثون على ذلك قائلين إنه حتى الموهبة الكبيرة تصبح عديمة الجدوى في مواجهة سوء الحظ.

للأسف يبدو فقدان المواهب واضحًا للغاية، فماذا يمكن أن نفعل حيال ذلك؟

تأثير توزيع الثروات على النجاح

تنطوي العديد من استراتيجيات توزيع الثروة على إعطاء الأموال والتقدير والمكافآت بناء على النجاح السابق للفرد، وهذا ما يعني أن الغني يزداد ثراءً بينما يزداد الفقير فقرًا. إذًا ما هي استراتيجية توزيع الثروة الأكثر فعالية لتحقيق تأثير أكبر على العالم: إعطاء الكثير من المال للأشخاص الذين حققوا نجاحًا سابقًا، أم إعطاء أموال أقل لعدد أكبر من متوسطي النجاح؟

أجرى الباحثان جان ميشيل فورتين وديفيد كوري دراسة لتحديد ما إذا كان التمويل الكبير يؤدّي إلى اكتشافات أكبر. وقد وجد الباحثان علاقة صغيرة جدًا بين التمويل والتأثير، إذ إن الأشخاص الحاصلين على تمويل للمرة الثانية لم يكونوا أكثر إنتاجية من أولئك الذين حصلوا على التمويل الأول فقط، وكان التأثير بشكل عام عبارة عن دالة تباطؤية في متغير وهو التمويل.

اقترح الباحثان أن استراتيجيات التمويل التي تستهدف التنوع أكثر من التميّز، من المرجّح أن تكون أكثر فائدة للمجتمع. في دراسة أخرى حديثة، قام الباحثون بدراسة التمويل المُقدّم إلى 12720 باحثًا في مقاطعة كيبك في كندا على مدار 15 عامًا. توصل الباحثون إلى أن تركيز تمويل الأبحاث في أيدي من يُسمون بـ«النخبة» يُنتِج عوائد هامشية متناقصة من حيث كمية الأوراق العلمية المُنتجة وأثرها العلمي.

قدم مجلس البحوث الأوروبي تمويلًا بقيمة 1.7 مليون دولار إلى عالِم الكيمياء الحيوية عهيد يعقوب لتحديد مدى تأثير الصدفة في العلم، وقد استطاع يعقوب تحديد بعض الاستراتيجيات المعروفة التي تسبب حدوث الصدفة في العلم.

بناء على هذا، قام الفريق الإيطالي الذي يحاكي دور الحظ في النجاح بالتقدم خطوة في محاكاتهم، فقاموا باستكشاف فعالية عدد من استراتيجيات التمويل المختلفة. تم تطبيق استراتيجيات مختلفة كل خمس سنوات على مدار 40 عامًا يمثلون الحياة العملية لكل عامِل افتراضي في المحاكاة.

أشار الكاتب من قبل أنه بدون أي تمويل على الإطلاق، فإن الأنجح كانوا هم الأفراد الأكثر حظًا مع موهبة متوسطة. ماذا إذًا يحدث عند إضافة فرص تمويلية في المحاكاة؟

يوضح الجدول التالي استراتيجيات التمويل الأكثر كفاءة على مدى 40 عامًا بترتيب تنازلي للكفاءة، أي أن الأكثر كفاءة هو الذي يتطلب تمويلًا أقل ويعطي أكبر عائد على الاستثمار. بالبدء من أسفل القائمة، نجد أن استراتيجيات التمويل الأقل فعالية هي التي تعطي نسبة كبيرة من التمويل للأفراد الأكثر نجاحًا بالفعل. كانت الاستراتيجيات المختلطة أكثر فعالية، وتعني الجمع بين إعطاء نسبة معينة من التمويل للأشخاص الأكثر نجاحًا مع توزيع الباقي بمساواة، بينما كان التوزيع العشوائي هو الأكثر فعالية. أي أن الاستراتيجيات التي تنطوي على العشوائية يمكن أن تؤتي نتائج أفضل من الاستراتيجيات القائمة على «الاستحقاق الساذج».

فعالية استراتيجيات التمويل المختلفة.
Credit: Pluchino, Biondo, & Rapisarda 2018

من هذا المنطلق، فإن أفضل استراتيجية للتمويل كانت هي التمويل المتساوي للجميع. عند حصول الأفراد الأكثر موهبة على وحدة تمويل كل خمس سنوات، كانت النتيجة أن 60% منهم حققوا نجاحًا أكبر من المستوى المتوسط، بينما حصولهم على خمس وحدات تمويل كل خمس سنوات ضمن أن 100% من الأشخاص الأكثر موهبة يحققون تأثيرًا ونجاحًا. لذلك إذا ما كانت أي وكالة تمويل أو حكومة تملك المزيد من الأموال لتوزيعها، يجب عليها توزيعها بالتساوي على الجميع، بدلًا من اختيار عدد قليل فقط.

محاكاة البيئة

لم يتوقف الفريق الإيطالي عند هذا الحد، فقاموا بتغيير البيئة التي يتواجد فيها الأفراد الافتراضيون في المحاكاة، فوضعوا البعض في بيئة محفزة غنية بالفرص المتاحة للجميع – مثلما هو الحال في البلدان الغنية والصناعية مثل الولايات المتحدة – والبعض في بيئة أقل تحفيزًا مع فرص قليلة جدًا – مثلما هو الحال في بلدان العالم الثالث. إليك ما وجدوه:

نجاح الأشخاص بناء على البيئة.

Credit: Pluchino, Biondo, & Rapisarda 2018

في الرسم بالأعلى والذي يمثل بيئة غنية، تمكَّن عدد من الأفراد من ذوي المواهب المتوسطة والكبيرة من الوصول إلى مستويات عالية جدًا من النجاح، وكان عدد ذوي المواهب المتوسطة والكبيرة الذين حققوا نجاحًا فوق المستوى المتوسط مرتفعًا للغاية. على النقيض، في الجزء الأسفل من الرسم الذي يمثل بيئة فقيرة الفرص، كان المستوى العام للنجاح منخفضًا، فقد وصل متوسط الأشخاص القادرين على زيادة المستوى الأولي للنجاح إلى 18 شخصًا فقط.

تشير نتائج هذه المحاكاة إلى أن الحظ يلعب دورًا مهمًا في مستوى نجاح الفرد. وكما أشار الباحثون، فإن إعطاء المكافآت والموارد لهؤلاء الذين يمتلكون الكثير من الموارد بالفعل يتسبب في حرمان من هم أكثر موهبة – أي من لديهم الإمكانية الأكبر للاستفادة فعليًا من الموارد – من تلك الفرص. يرى الباحثون كذلك أن البيئة المحفزة الغنية بالفرص، والتعليم الجيد، والتدريب المكثف، واستخدام استراتيجيات فعالة لتوزيع الأموال والموارد، كلها عوامل مهمة لإعطاء الناس فرصًا أكبر في النجاح، وأن أي سياسة توفر هذه العوامل ستعود بفائدة كبيرة على الفرد والمجتمع.

Facebook Comments

قد يعجبك ايضا

اترك رد