YOUTH Magazine

هـــنــا حــيــث.. تدوينة بقلم: سيف الغول

611

هـــنــا حــيــث..

حيث ظلمة السماء التي إشتاقت لسعات شمسيّة، حيث رائحة التربة الممزوجة بعطر ثمار أرضها الخصبة، حيث صخب الأسواق أين رنّة الأطباق القزديرية، يحمل لونها و بعض شقوقها تاريخا يزخر تنوعا و أصالة، هي حيث لحاف لون الصحراء الذهبيّة، يخفي سحر جمال أنثى بربريّة، تمرّدت عيناها على الجمال فأصبح لها عبدا مطيعا، أنظر إلى يديها، أنظر فهنالك حيث تجمّعت في عروقهما مخزون الرقّة ممزوجا بصلابة الشخصية، و إخشى إطالة النظر فيهما لعلّ نظراتك تخترق جلبابا أحمرا سحريا لتعانق بشرتها النقيّة.. فترى نفسك فيها معتقدا أنها مرآة زجاجية، يلحظك حبيبها بفطرته الفولاذية، ينزع من أعلى رأسه أروع شاشية، مطروزة بحنكة أبناء السوق و خبرة “الصنايعية”، ثم يتجه إليك ليخاطب جرأتك، جرأة جمعت نضال فرحات حشاد و لم تخفي شجاعة حنبعل، جرأة حملت رصانة إبن خلدون و دوّنت في مقدّمته أبيات الشابي، فأطالت الوصف و تكررت نعوتها كتكرار البايات و لكن هيهات.. هيهات عليك خوفا من هذا “البلدي”، إبن الزقاقات حيث الأقواس و أبواب المدينة، حيث الزخارف التي تعود إلى ثقافات قديمة متينة، حيث الزمن البعيد أين أرست في ميناء قرطاج سفينة، نزلت منها أسطورة “عليسة”.

 

– هـــنــا حــيــث.. –

 

فتحت عيناها على أرض يحلو فيها العيش، أرض الجريد و الواحات و تمر نخلة شامخة إشرأبت لها الأعناق إطاعة للذّة ثمارها، و نسوة تحمل عراقة بلد في عرق جبينها و هي تبحث عن قوت عائلتها، هنا كذلك حيث ظل زيتونة ضخمة تحمي فلاحيها حرقة الشمس، و تدرّ عليهم بخير يُسقى زيتا رفيعا، هنا بالقرب من تربتها الذهبية، تغمرك أمواج خفيفة تميز شريطا ساحليا، يمتد بحرها محاولا بلوغ إمتداد عروق هذا الوطن، لكنه يعجز قطعا فيصطدم بصخور جبالها العاتية حيث إختبئت بعض طفيليات تتحلى بالجبن و الشرّ محاولة بيأس و فأس إفساد هذه الرقعة فتصدّها رباطة جأش و جيش تسخّر لحماية أبسط حبيبات تربتها الغنية و ما تحمله من ورود شابّة ستزهر ذات عشيّة لتكون مستقبل البلاد التونسية.
كانت هذه محاولة يائسة منّي في وصف هذا الوطن الذي لا أقدر وصفه .

لكن المضحك في كل هذا، أنّي في كل مرة أبدأ فيها بالكتابة لا أنوي التحدث عن الوطن لكنّه يتسلل بين سطوري و حروفي و يوجهها دون علمي، ليرضخ له إلهامي.

 

– هـــنــا حــيــث.. –

Facebook Comments