إعلان

مزارعو تونس يستميتون للحفاظ على بذورهم المحليّة

مقال لـ: Achref Chibani

139

إعلان

أزمة البذور التونسيّة –

 

في منطقة واد الخيل بأقصى الجنوب التونسي، حوّل رضوان التيس 3 هكتارات من الأراضي الزراعية، ورثها عن والده إلى إقامة جبليّة إيكولوجيّة فريدة تحيط بها مزرعة خضراوات لا مكان فيها سوى للبذور المحليّة الأصيلة. ونجح رائد الأعمال، وهو متفقد تعليم ثانوي، من خلال هذا التوجه الزراعي في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء لعائلته ولحرفاء إقامته رغم الصعوبات التي وجدها لإيجاد اليد العاملة بسبب عزوف الشباب عن الفلاحة. وعلى رغم نسب البطالة المرتفعة، خصوصاً بين شباب الجنوب التونسي، وفرص العمل التي تقول السلطات المحلية إنّها توفرها في قطاع الفلاحة، يمتنع الكثيرون عن العمل في هذا المجال لأسباب مختلفة، منها سبل الاستدامة.

و يواجه رضوان تحديات كبيرة لضمان استدامة مشروعه في ظلّ مناخ متقلّب وتأثير فيروس كورونا على المشاريع الزراعية والسياحية الصغرى، لكن رائد الأعمال واثق من قدرته على تجاوز التحديات. يقول بهذا الشأن، “أطمح لتطوير منتوجي وإضافة منتوجات أخرى طبيعية على غرار العسل للتعريف بموروثنا الغذائي العريق”. وأفاد رضوان في تصريح لموقع ” Youth Magazine “، أنّه يخصّص معظم أوقاته للزراعة وتشجيع الفلاحين على التخلّي عن معظم البذور المستوردة التي اجتاحت الأراضي التونسيّة وجعلت البذور التونسيّة مهدّدة بالاضمحلال. ويرجع أسباب ذلك الى ان البذور المحليّة إضافة الى جودتها، وتتأقلم بشكل فعّال مع المناخ المحلي، وذلك على رغم التغيرات المناخية القاسية. كما أنّها، بحسب رأيه، أحد أوجه هوية الزراعة التونسية. ويضيف رضوان، “للأسف، يكتشف الفلاحون المحليون بشكل متأخر أن البذور المهجنة تمنح تحسنا وقتيا في المحصول مقابل أضرار جسيمة للتربة وهو ما يهدّد خصوبتها.”

يقود رضوان، وهو في الوقت ذاته كاتب عام في الجمعية التونسية الزراعة المستدامة، جهودا حثيثة لدعم انتشار البذور المحليّة التي تواجه بذورا معدلّة تغري الفلاحين بمحاصيل وفيرة. والجمعية التونسية للزراعة المستدامة هي جمعية ذات هدف غير ربحي تأسست في جويلية 2015 بهدف نشر مبادئ وتقنيات الزراعة المستدامة ومرافقة المزارعين الراغبين في تسيير أعمال قراهم وفق تقنيات وطرق زراعة وتصميم نظم بيئية مستقرة تلبي حاجات السكان مع الحفاظ على البيئة وهي تستند إلى ثلاث مبادئ أخلاقية في العمل الزراعي وهي: العناية بالأرض والعناية بالإنسان وتقاسم فوائض الإنتاج.

إعلان

الإقامة الإيكولوجية لرائد الأعمال رضوان التيس، واد الخيل (ولاية تطاوين)
الإقامة الإيكولوجية لرائد الأعمال رضوان التيس، واد الخيل (ولاية تطاوين)

 

منظومة تشريعيّة تعمّق أزمة البذور التونسيّة

فرض التشريع التونسي قيودا متعدّدة على استخدام البذور المحلية وهو ما حدّ من انتشارها. و لتسويق البذور في تونس، يجب تسجيلها أولا في سجلات البذور، ووفقًا للفصل 4 من القانون عدد 42 لسنة 1999 المؤرخ في 10 ماي 1999، فإن البذور المسجلة يجب أن تمتثل لمعيار DHS (مميز ومستقر ومتجانس) وهو شرط يتوفر في البذور الهجينة فقط.

ويحرم هذا القانون العديد من الفلاحين من تسويق البذور المحليّة رغم بعض المحاولات التي بذلتها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري من خلال ابرام خمسة عشرة عقد استغلال تجاري لمستنبطات المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس من الحبوب والبقوليات والأعلاف مع شركات مختصة في اكثار البذور.

وقد أصدر الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري منتصف العام الماضي كتابا تحت عنوان “الفلاحة هي الحل لتعزيز سيادتنا وتنمية اقتصادنا”، تناول فيه أهم الصعوبات التي يعاني منها القطاع الفلاحي في تونس. وبحسب الكتاب، تعترض الفلاحة التونسية عدة تحديات أبرزها “التعاطي الخاطئ للدولة مع الفلاحة، حد التفريط في البذور والمشاتل المحلية مقابل استيراد بذور ومشاتل أجنبية مهجنة وجعلها في تبعية لدول أخرى”.

 

جهود حثيثة لحماية البذور التونسية

إعلان

ويسعى بنك الجينات وعدد من الجمعيات، وسط اكتساح البذور الهجينة، إلى حماية الموروث الجيني للبذور التونسيّة. وكشف مدير عام البنك الوطني للجينات في تونس، مبارك بن ناصر، أن البنك استرجع منذ سنة 2008 حوالي 7745 عينة من الأصناف المحلية من بنوك الجينات الأجنبية. وأبرز بن ناصر في حديثه لنا بأن البذور تم استرجاعها أساسا من “بنك أمريكا” و”بنك نيكاردا” والبنك الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح بالمكسيك وبنك الجينات في جمهورية تشيكيا وبنك الجينات بأستراليا. وأضاف في حديثه، “أنّ تونس نجحت في شهر أوت الماضي في استرجاع 49 عينة من بنك الجينات في الهند تهم منتوجي الحمص والدرع”. ويقوم البنك الوطني للجينات بعملية تقييم للعيّنات التي تم جلبها قبل توزيعها على الفلاحين بصفة مجانية ويخص ذلك أساسا منتوجات الحبوب والبقول والأعلاف وبعض الخضروات كالفلفل والطماطم والقرع.

 

تبعيّة تجهض حلم الاستقلال الغذائي

اعتبر الباحث في السياسات الفلاحيّة، أيمن عميّد، أنّ انتشار البذور الهجينة يكرّس تبعيّة تونس للخارج بعد أن كانت تعرف بكونها “مطمورة روما” لوفرة محاصيلها وجودتها. وأوضح عميّد، في تصريح لموقع ” Youth Magazine”، أن البذور الهجينة “غير قابلة للإكثار” ولا تتأقلم مع المناخ المحلي وتحتاج مياها وأسمدة كيميائية أكثرو هو ما يُفقر التربة ويعرّضها لخطر التلوّث. وأضاف الباحث في السياسات الفلاحيّة أنّ البذور التونسيّة في المقابل تمتاز بمردوديتها العالية وتأقلمها مع الظروف المناخيّة الصعبة كالجفاف وملوحة التربة.

ويمثل نقص التساقطات وتتالي مواسم الجفاف أبرز التحديات التي تواجه النظام الفلاحي في تونس في ظلّ غياب استراتيجيات ناجعة للتحول نحو زراعات أقل استهلاكاً للمياه أو التعويل على بذور أكثر قدرة على تحمّل الجفاف. وتعاني تونس، من تبعية للأسواق الخارجية في بعض المواد الاستهلاكية، كالحبوب (تستورد 80 % من حاجياتها)، ولحوم الدجاج (تستورد 90 % من حاجياتها) ومادة السكر.

إن مجموع الأراضي القابلة للزراعة في تونس وفق بيانات رسميّة لوزارة الفلاحة، يبلغ 5 ملايين هكتار، فيما لا تتجاوز نسبة المستغل منها 24 %. و يساهم القطاع الفلاحي بحوالي 10 % من الناتج الداخلي الخام، ويساهم بنسبة 10 %  في الصادرات التونسية، ويستقطب 8%  من جملة الاستثمارات في الاقتصاد الوطني، و14%  من اليد العاملة النشطة. كما يؤمن مورد رزق لأكثر من 570 ألف فلاح وبحار.

 

تم اعداد هذه القصة ضمن مبادرة MédiaLab Environnement و هو مشروع للوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام CFi

الوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام CFi

 

 

أزمة البذور التونسيّة –

أزمة البذور التونسيّة –

Facebook Comments
Content Protection by DMCA.com