عظماء مسلمون: القزويني.. العالم الذي أعلن كروية الأرض قبل أوروبا

زكريا القزويني
97

إعلان

زكريا القزويني –

أبو عبد الله زكريا بن محمد بن محمود القزويني، عالم مسلم عربي قزويني المولد حجازي الأصل. يرتفع نسبه إلى الإمام مالك بن أنس عالم المدينة.

يعد القزوينى و الملقّب بـ”هيرودتس القرون الوسطى”، أو “بليني العرب” عند البعض، أحد الشخصيات البارزة التي ظهرت خلال القرن الثالث عشر الميلادي، والذي ساهم في إثراء التراث العلمي العربي، وتميز بمواهب كثيرة.

في هذا المقال، سنكتشف معا تاريخ “زكريا القزويني” و إسهاماته المتعددة في مجال الفلك و باقي المجالات.

 

إعلان

تاريخ زكريا القزويني

زكريا القزويني

ولد القزويني عام 1208م في منطقة قزوين بين رشت وطهران. وهو حجازى الأصل، سليل بيت من بيوت الأنصار؛ إذ يتصل نسبه إلى الصحابي أنس بن مالك. وقد قضى في قزوين التي ارتحل إليها أهله منذ زمن طويل شطرًا من طفولته وصباه، ثم غادرها إلى دمشق، وأقام بها فترة من حياته، وتأثر خلال إقامته تلك بالصوفي الشهير محيي الدين بن عربي.

وكان الإمام القزويني رحمه الله عالما فاضلا، وكان يكتب خطا جيدا، تولى منصب القضاء بالحلة في سنة 650هـ، ثم نقل إلى القضاء بواسط سنة 652هـ، وأضيف إليه التدريس في المدرسة الشرابية بمدينة واسط في العراق قبل سقوط بغداد على يد التتار سنة 656هـ= 1258م وبعدها. فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وكان حسن السيرة، عفيفًا. وذلك في عهد آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله. وكان على علاقة وطيدة مع ضياء الدين بن الأثير الكاتب صاحب “المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر” وهو أخو المؤرخ ابن الأثير صاحب كتاب “الكامل في التاريخ”، وكان مقيمًا في مدينة الموصل.

ولكن عمل القزويني فيب يالقضاء والتدريس لم يلهه عن القراءة والتأليف في الحقول العلمية المختلفة، فقد شغف بالفلك، والطبيعة، وعلوم الحياة، وقد تردد كثير من المؤرخين في أي من العلوم اختص القزويني، فمنهم من وضعه في قائمة علماء الطبيعة والفلك، وعدَّه البعض الآخر إمام مؤرخي العرب وجغرافييهم، في حين عدَّه آخرون من كبار علماء الأرض والنبات والحيوان، رغم أنَّه نال شهرة واسعة في علم الفلك. ويبدو أن القزويني عمل على دراسة مختلف العلوم، ولكن أعظم أعماله شأنًا هي نظرياته في علم الرصد الجوي والفضاء وهذا ما لمسناه من خلال دراسة كتابيه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) و(آثار البلاد وأخبار العباد).

إعلان

كان الإمام العالم زكريا بن محمد القزويني كثير التأمل في خلق الله، موصياٌ بذلك مسترشدا بالقرآن الذى حثنا على النظر في مصنوعات وبدائع خلقه وليس التحديق والنظر فقط بل التفكير في حكمتها وتصاريفها؛ ليزداد الإنسان يقينًا، ويقر بأن التأمل أساسهُ خبرة بالعلوم والرياضيات بعد تهذيب الأخلاق والنفس، لتنفتح البصيرة، ويري الإنسان العجائب التى لا يستطيع تفسيرها.

إسهامات القزويني في علم الفلك

إسهامات القزويني في علم الفلك
إسهامات القزويني في علم الفلك

عد القزويني أحد رواد علم الفلك والرصد الجوي؛ إذ إنه أول من صنف النجوم لمعرفة الوقت، ووضع بنظرياته اللبنة الأولى لعلم الأنواء، الذي يعرف حاليًا بالأرصاد الجوية.

وهو أول من تكلم عن تصنيف النجوم حسب ألوانها، والحركة الظاهرية للكواكب، وكيفية معرفة الوقت، وأنواع الرياح والسحب وكيفية تكوينها، وأسباب نزول المطر على هيئة قطرات.

كما علل القزويني خسوف القمر علميا فجاء دقيقا حيث قال: “إن سببه توسط الأرض بينه وبين الشمس، وعندئذ يتشكل من وقوع نور الشمس مخروط قاعدته صفحة الأرض، فإذا وقع القمر كله في جرم المخروط كان الخسوف كليًا”. وقد علل كسوف الشمس وقال: “إن القمر يكون حائلًا بين الشمس وأبصارنا لأنّ جرم القمر كمد فيحجب ما وراءه، لأن الخطوط الموهومة الشعاعية التي تخرج من أبصارنا متصلة بالبصر على هيئة مخروط رأسه نقطة البصر وقاعدته المبصر، فإذا وقع جرم القمر في وسط المخروط، تنكسف الشمس كلها، وقد تنكسف بعضها إذا كان للقمر عرض ينحرف المخروط عن الشمس”.

وتكلم عن الكواكب الثوابت وعن كوكبات الدب الأصغر، والدب الأكبر، والتنين، وقيقاوس ولعوا، والفكة، وغيرهما وعدد كواكب كل كوكبة وبين ما يتصل بها من آراء واعتقادات. وتحدث عن البروج الاثني عشر وأسمائها وصورها وعدد كواكبها وموقعها من الصورة . فذكر برج الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. كما تكلم عن الزمان وتحدث عن الأيام، والشهور، والسنوات، وعن التقاويم العربية والرومية والفارسية، وما يرتبط بها من أعياد ومناسبات.

إعلان

وقد زود القزويني كتابه عجائب المخلوقات بأشكال وجداول فلكية غاية في الروعة والدقة. ولأهمية معلوماته وندرتها في الفلك فقد أفاد منها عدد من الباحثين والعلماء المهتمين بهذا المجال الذين عدّوا وصفه للنجوم وصفًا علميًا إلى حد كبير، ومنهم المستشرق الدنماركي آيدلر Idler في بحثه الممتاز الذي كتبه سنة 1909م.

 

فضلًا عن ذلك كانت للقزويني إسهامات جليلة في علوم التاريخ، والطب والصيدلة، والكيمياء، والفيزياء، والعلوم الطبيعية، وعلم النفس، وعلم النبات والحيوان، وفن الرسم والتصوير. وقد كانت لترجمة مؤلفاته إلى اللغات الأوربية الفضل في تطور الدول الغربية في صناعة الأسطرلاب. كذلك كانت القبائل البدوية وأهل الصحراء يعتمدون على مؤلفات القزوينى لتحديد سرعة الرياح، وتكوين المطر، ومعرفة الفصول الأربعة؛ حرصًا على زراعتهم وأغنامهم.

ألَّف القزويني كتبًا عدة في موضوعات مختلفة، منها: كتاب “آثار البلاد وأخبار العباد” أو “عجائب البلدان”، وكتاب “الأقاليم”. وكتاب “البلدان”، وكتاب “صفة الأرض”، وكتاب “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”، وقد أهدى هذا الكتاب الأخير إلى حاكم بغداد في عهد المغول. وله أيضا كتابى “خطط مصر”، و”الإرشاد فى أخبار قزوين”.

كتاب “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”

صفحة من كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات». المصدر: مكتبة قطر الرقمية
صفحة من كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات». المصدر: مكتبة قطر الرقمية

يعد «عجائب المخلوقات» أشبه بموسوعة علمية جغرافية طبيعية، تحاول أن تنقل إلى قارئها مقدارًا ضخمًا من المعلومات، بعضها عرفه المؤلف بالتجربة أو بالمعرفة العقلية، وبعضها وصله بالاستناد إلى مرويات الكثير من الشعوب والحضارات. وبذلك؛ يمكن القول إن هذا الكتاب يمثل ذروة ما بلغته معرفة الإنسان بشؤون الطبيعة وأحوالها ومخلوقاتها في زمن القزويني، إلى جانب كونه يمثل نوعًا من التأمل في نظرة الإنسان لما يعرفه عن الطبيعة، وبما يجهله أيضًا من خفاياها.

تحدّث زكريا القزويني في كتابه عن علم الفلك والنجوم، وتحدث عن الزمان والتقاويم العربية، والرومية، والفارسية، وما يرتبط بها من أعياد ومناسبات.

وتحدث أيضًا عن الجغرافية الطبيعية، ومنها المناخ والطبقات الجوية، وتكوين الغيوم والأمطار، وحدوث الرياح واتجاهاتها وفوائدها. وتناول كذلك توزيع اليابس والماء على الأرض، وتوزيع الحرارة والأقاليم الحرارية عليها، ثم بين علاقة ارتفاع الحرارة في المناطق الاستوائية واشتداد البرد في المناطق القطبية بالإنسان والحيوان والنبات.

إعلان

وقد تحدث بصورة مفصّلة عن الجبال والأنهار والعيون والآبار في العالم التي كانت معروفة في زمنه، ثم عن أسباب تكوينها، وعلّل ذلك بأسباب طبيعية وجيولوجية.

ويتجلى في كتابه عجائب المخلوقات، حس العالم المتطلع إلى المستقبل، فيروي القزويني أن الأرض كروية، وليست شكلًا مربعًا، أو أسطوانيًا، أو مسطحًا، كما كان سائدًا في عصره، والدليل على ذلك أنّ خسوف القمر يُرى من بلدان مختلفة، لكنه لا يُرى فيها كلها في وقت واحد، بل في أوقات متعاقبة، مما يعني أن طلوع القمر وغروبه يكونان في أوقات مختلفة في الأماكن المختلفة، واستدل على ذلك من آية في القرآن الكريم: «يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ (سورة الزمر)».

موضحًا أنها تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق، والمخلوقات عليها منجذبون إليها بقوة الجذب، وقوة الدوران معًا، وليست ثابتة في مركز الكون كما قال بطليموس. ويتطرق كذلك إلى ما في أعماق الأرض من طبقات وأبخرة وغازات ومعادن، ولماذا تتغير طبيعة الأرض كل عدة آلاف من السنوات.

ويحيط بكل ذلك الحكايات الشعبية مع حس ديني قوي يعتمد على محاولة الاجتهاد مع الآيات القرآنية، وأسلوب غني بالصور والأخيلة الأدبية. وفي الكتاب كذلك روح المؤرخ المهموم الذي يريد تلخيص معارف عصره لحفظها في زمن اتسم باللحظات التاريخية المريرة والتقلبات التي بدت مهددة للحضارة العربية الإسلامية.

 

المراجع: 1، 2، 3، 4، 5

إعلان

زكريا القزويني –
Facebook Comments