إعلان

عقبات عديدة تكبح مساعي الانتقال الطاقي في تونس

تم اعداد هذه القصة ضمن مبادرة MédiaLab Environnement و هو مشروع للوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام CFI. مقال من إعداد : أشرف الشيباني

الانتقال الطاقي في تونس
140

إعلان

الانتقال الطاقي في تونس –

لا يعرف نزار الحميدي (33 سنة) الكثير حول لاقطات الطاقة الشمسية سوى أنها أرخص قليلا من الكهرباء التقليدية التي توفرها الشركة التونسية للكهرباء والغاز (حكوميّة) ، ولكنه قرر الاستغناء عن عداد الكهرباء التقليدي وتعويضه بلاقط طاقة شمسيّة لتوليد الكهرباء بسبب تضخّم الفاتورة. وعلى رغم انه ليس واثقاً من انه سيحظى بنفس جودة خدمة الكهرباء المتاحة حالياً، يقول نزار، “سأكون أول من يعتمدها في منطقتي لتوليد الكهرباء وآمل ألا أكون الأخير”.

يبدي نزار ترددا واضحا وهو يقدّم ملفّه لموظّف الاستقبال بإحدى شركات صيانة وتركيب أجهزة الطاقة الشمسيّة في ولاية تطاوين ، 550 كلم جنوب العاصمة تونس، مشيرا إلى أنّه اتخذ هذا القرار على مضض لأن أحد أصدقائه حذّره من ضعف صيانة الألواح الشمسية وتعرّضها للعطب بشكل متكرّر. و يختصر هذا التردد العراقيل الكثيرة التي تكبّل انتشار مصادر الطاقة النظيفة في بلد تلتهم فيه مخصّصات الطاقة جانبا مهما من موازنة الدولة كل عام.

إعلان

إعلان

رؤية استراتيجية غائبة

أجمع المستجوبون الذين تواصلنا معهم على غياب رؤية استراتيجية واضحة تحدد مسار الطاقات المتجددة في تونس، الأمر الذي شتّت الجهود المبذولة وجعل الأهداف المرسومة والمتمثلة بتوليد الكهرباء بنسبة 30% من الطاقات المتجددة بحلول سنة 2030، كحلم صعب المنال. وتشير الخبيرة التونسية بمعهد حوكمة الموارد الطبيعيّة، عبير اليحياوي، الى أن غياب الاستقرار الحكومي قد حال دون تطوير قطاع الطاقات المتجددة في البلاد. “لقد تداول عشرة وزراء على وزارة الطاقة منذ سنة 2011، قليل منهم فقط أبدى دعما للطاقات الخضراء وتحدث علنا عن استراتيجية واضحة في هذا الصدد” تقول عبير اليحياوي. و بحسب الخبيرة التونسية فإنّ غياب التنسيق بين الجهات المعنية وفقدان هيكل تنظيمي مستقل من شأنه تعزيز الإطار المؤسساتي ومراقبة المشاريع في مجال الطاقات المتجددة، أدى إلى خلق الضبابيّة في إدارة ما يسمى بالانتقال الطاقي في تونس.

و في السياق ذاته، يرى الخبير في قضايا المناخ، نضال عطية، بأنّ الاهتمام الحكومي بقضية الطاقات المتجددة رافقته استراتيجيات تتّسم بالتّناقض وبالضبابية، مشيراً بهذا الخصوص الى اهتمام تونس بمصادر طاقة غير تقليدية مثل الغاز الصخري. ويأتي هذا الاهتمام بحسب الخبير المذكور في وقت تشير فيه الوكالة الدولية للطاقة في أحدث تقرير لها، صدر بشهر أيار 2021 تحت عنوان (نيت زيرو بحلول عام 2050) الى ان العالم اذا أراد الوصول الى الصفر كربون بحلول منتصف القرن، فينبغي على المستثمرين ألا يمولوا مشاريع جديدة لإمدادات النفط والغاز والفحم. كما تشير المعلومات الى انفتاح البلاد على إنتاج الهيدروجين الأخضر، إنما دون إعداد استراتيجية واضحة لتجسيم هذه النوايا وهو ما يمكن أن يربك المستثمرين المترددين أساسا بسبب المناخ الاقتصادي في البلاد. ويشدّد نضال عطية على أهمية توظيف الطاقات المتجددة لخلق مهن خضراء مستدامة وجذب استثمارات جديدة خصوصا على المستوى المحلّي.

إعلان

البيروقراطية الإدارية

لقد اختار نزار الحميدي التوجّه للطاقات المتجددة بسبب اقتصاديّ بحت، حيث استحوذت فاتورة الكهرباء على نصف راتبه البالغ 1100 دينار تونسي (حوالي 400 دولار)، لكنه اضطر إلى التنقل مرّات عديدة بين عدد من الدوائر الحكومية لاستكمال ملفه وذلك بسبب الترهل و البيروقراطية في المؤسسات الحكومية بحسب المختصين. ويقول الحميدي بهذا الشأن، “في معظم الأوقات، أجد أن معظم مكاتب الموظفين فارغة أثناء ساعات الدوام المسائية. شخصيا، لو كان وضعي المادي أفضل، لن أجازف بتغيير مصدر الكهرباء بسبب هذه العقبات الإدارية التي تثبط عزائم الراغبين في استعمال مصادر الطاقة النظيفة”.

و يعتقد بأنّ التحول الطاقي ينطلق من تسريع نسق المعاملات الإدارية بدل إثقال كاهل المواطن بالبيروقراطية الإدارية وضرائب جديدة و تهديده برفع الدعم بشكل دائم.

و تعد البيروقراطية الإدارية وفقاً للخبراء في مجال الطاقة، من بين أبرز العقبات التي تواجه الانتقال الطاقي في تونس، ذلك رغم توصيات الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة بالتحوّل نحو أنظمة طاقة أنظف ومجتمعات واقتصادات أكثر مرونة. ويعتبر الخبير البيئي حمدي حشّاد أنّ البيروقراطية الإدارية تقف حجر عثرة أمام مساعي تنويع مصادر الطاقة في تونس، داعيا صناع القرار إلى إعادة هيكلة نموذج التراخيص ليصبح أكثر مرونة. وأوضح حشّاد، في تصريح لموقع “Youth Magazine”، أنّ النفاذ إلى المعلومة غائب تماما في مجال الطاقات المتجددة، كما أنّ آجال الرد على الملفات طويلة للغاية، ناهيك بتداخل ملفات الاستثمارات في مجال الطاقات المتجددة بين وزارات التجهيز والبيئة والفلاحة (الزراعة) وأملاك الدولة، مما يؤدّي غالبا إلى نفور المستثمرين.

و أكّدت دراسة للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول أزمة الوظيفة العمومية في تونس أن عدد الموظفين في القطاع الحكومي تضاعف 16 مرة منذ الاستقلال، إذ ارتفع من حوالي 36 ألفا عام 1956 إلى أكثر من 690 ألفا عام 2017. و اعتبر صندوق النقد الدولي أنّ كتلة الأجور في تونس تعتبر من بين الأضخم في العالم حيث تستأثر بحوالي 17,4% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (حسب بيانات رسمية لوزارة المالية لسنة 2020). وأبرز مواطنون تحدثوا  لموقع “Youth Magazine” تذمّرهم من ضعف انتاجية الموظفين الحكوميين الذين يشتغل معظمهم ساعات محدودة في ظلّ ضعف الرقابة واهتزاز صورة الدولة الحازمة، منوّهين إلى أنّ الإدارات ذات الصلة بالتحوّل الطاقي ليست استثناءً من القاعدة العامة.

وقال الخبير الاقتصادي محمد الصادق جبنون، في تصريح لموقع “Youth Magazine”، أنّ نظام التأجير في العديد من المؤسسات العمومية  تجاوزه الزمن حيث يقوم على مبدأ المسار الوظيفي ، ولا يكترث كثيراً بالإنتاجيّة و من ذلك أن الترقية تسند بناء على الأقدميّة و ليس على أساس المردوديّة. وأضاف جبنون، “ساهم هذا الأمر في جعل المؤسسات العمومية تغرق في الرتابة وتفتقد لموارد بشريّة ذات جودة عالية وهوما يعطّل الاستثمارات.”

و تابع ذات المصدر: ” لم يكن قطاع الطاقة بمنأى عن هذه البيروقراطية، حيث أنّ تكليف وكالة حكوميّة بإدارة ملف الطاقات المتجدّدة و تحجيم دور القطاع الخاص و تكبيله بالتّراخيص جعل مسار الانتقال الطاقي يراوح مكانه.” ارتباطاً بالواقع الإداري ذاته، أشار عدد من صغار المستثمرين في مجال الطاقات المتجددة إلى أنّ الإطارين التشريعي والقانوني ليسا بالمرونة الكافية لتشجيع السكان على اتّباع نمط طاقيّ نظيف.

إعلان

و أبرز صاحب شركة لتركيب و صيانة المعدات الفولطاضوئية (فضّل عدم الكشف عن هويّته)، أنّ البيروقراطية الإدارية تؤدي إلى تأخّر دراسة ملفات تركيب تجهيزات الطاقة الفلطاضوئية و دفع المنح المخصصة لمستعملي اللوحات الفلطاضوئية من طرف الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة (حكوميّة). ” و شدّد صاحب الشركة على أنّ هذه التعطيلات تنفّر الحرفاء و تجعل نسق التحوّل الطاقي بطيئا، لافتا إلى أنّ فيروس كورونا المستجدّ فاقم الأمر، وذلك بسبب ركود الحركة الاقتصادية جراء إجراءات الحجر الصحي.

لكل تلك الأسباب، لم تستطع تونس على مدار العقدين الماضيين، بناء قدرة طاقة متجددة بأكثر من حوالي 300 ميغاواط، معظمها من الرياح والطاقة الكهرومائية. ووفق البيانات الرسمية، فإن حجم الإنتاج من الطاقة البديلة لا يتعدّى نحو 4 % من حاجيات البلاد، أي ما يعادل 148 ميغاواط فقط. وتتجه تونس، التي تعتمد أساسا على الغاز في توليد الطاقة، ببطء نحو استغلال مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء وأعلنت في 2015 القانون المنظم للقطاع بعد تعطيلات و تأخر دام ثلاثة أعوام.

إعلان

ضغوطات نقابيّة تكبّل الانتقال الطاقي

لا تقتصر التحديات التي تواجه مسار الانتقال الطاقي على البيروقراطيّة الإداريّة وغياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم، حيث ساهمت التحديات الاقتصادية غير المسبوقة و تلميح الدولة إلى نيّتها خصخصة عدد من المؤسسات الحكوميّة في بروز أصوات مناهضة تعارض تحرير إنتاج الكهرباء واعتماد مصادر بديلة لتوليده.

و رفضت جامعة الكهرباء والغاز التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمّالية في البلاد، مشروع قانون لإنتاج الكهرباء بالطاقات المتجددة. و تعتبر النقابة أنّ هذا المشروع محاولة مبكرة لخصخصة القطاع، وترفض تكليف مستثمرين أجانب بالمشروع مما يعني بيع الإنتاج لشركة الكهرباء والغار بتكلفة مجحفة، كما تعتبر الاستثمار في هذا المرفق، إشراك للمستثمرين في اتخاذ القرارات السيادية المستقبلية للبلاد.

و في يوليو 2020، انتقد وزير الطاقة والمناجم والانتقال الطاقي آنذاك منجي مرزوق موقف النقابة معتبرا أن جامعة الكهرباء تعمل على عرقلة أول الإنجازات “تجاوز للقانون وينطلق من فهم ضيق وغير صحيح لمصلحة قطاع الكهرباء و أفضل السياسات القطاعية ودور الطاقات المتجددة في تطويره وتوسيع خدماته ودوره في المنظومة الطاقية عمومًا”. وشدد الوزير، في منشور على الحساب الخاص به على منصة فيسبوك، أن “الطاقة المتجددة هي أولوية وطنية، وضرورة حيوية لأمننا الطاقي، ومطلب شعبي، و لها جدوى اقتصادية و بيئية واجتماعية”، مضيفاً بأن الطاقة المتجددة تقلدت مكانة رفيعة في سياسات وأولويات جل الدول في العالم لأمنها الطاقي، وللمحافظة على المناخ والبيئة ولجدواها الاقتصادية.

تفاعلا مع هذه النقطة، تواصلنا مع الكاتب العام المساعد للجامعة العامة للكهرباء والغاز، منجي خليفة، والذي أكّد أنّ الجامعة لم تعارض خصخصة الكهرباء من الطاقات المتجدّدة مثلما رُوّج له في وسائل التواصل الاجتماعي. وأبرز خليفة أنّ الجامعة طالبت صناع القرار بدراسة متأنيّة لهذا القرار ومصارحة الرأي العام بكل شفافية، لأنّ الأمر واضح و ما يخفى على المتابعين أنّ المستثمرين يمارسون الضغوط من أجل الحصول على امتيازات مجحفة تهدّد توازنات البلاد على غرار تكفّل الدولة برسوم صيانة الشبكات وعدم مطالبتهم بالانخراط في الصناديق الاجتماعية.

و بحسب خليفة، فإنّ الخصخصة بصيغتها الحالية تؤثر سلبا على استدامة الشركة التونسية للكهرباء والغاز و تجعل منها مجرد مخزن للطاقة بالنسبة للمستثمرين وهذا ما لا نقبله حفاظا على مقدّرات الشعب التونسي.

 

تم اعداد هذه القصة ضمن مبادرة MédiaLab Environnement و هو مشروع للوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام CFI

للوكالة الفرنسية لتنمية الإعلام CFI

 

الانتقال الطاقي في تونس –
الانتقال الطاقي في تونس –
Facebook Comments
Content Protection by DMCA.com