بسبب هذا الوباء.. كيف سيتغّير السلوك البشري بعد كورونا ؟

السلوك البشري بعد كورونا
587

إعلان

السلوك البشري بعد كورونا –

لا شك أن وباء كورونا فرض وجوده على دول العالم وشعوبها وبات عنوان الأحداث اليومية. ومن المؤكد أن العالم سوف يتغيَّر بعد هذه الأزمة، حكومات سوف تسقط، اقتصادات قويّة ستنهار، و تحالفات دوليّة قد تنهار أيضا و أخرى تتشكّل.

“العالم بعد الكورونا” هو أكثر موضوع يدور في رؤوس الناس، بسبب “التأخّر” في القضاء على الفيروس بعدما ظنّوا أن التطور العلمي والتكنولوجي كفيل بإنهائه في وقت قصير. لكن لماذا لا ننظر إلى أنفسنا؟

قد تكون جائحة كورونا هي أول حال نعيشها، لكنها ليست الأولى بالنسبة للكرة الأرضيّة أو الانسانيّة بصفة عامة. حيث عاشت المجتماعات عبر التاريخ العديد من الأوبئة التي جعلتهم يعيدون النظر في فكرة السيطرة البشرية على الكوكب. كما أثرت الأوبئة على الأفراد الذين اختبروا الأزمة مباشرة، مثلنا حاليا مع فيروس كورونا، حيث غيّرت جوانب كبيرة من شخصياتهم. ثم يمتد تأثير الأوبئة عبر الأجيال ليصل إلى جيلٍ قد لا يعرف عن الوباء الذي أصاب أسلافهم إلا اسمه، كحالنا مع الانفلونزا الاسبانية أو وباء الطاعون مثلًا.

 

إعلان

و قد عمل علماء علم النفس الاجتماعي منذ سنوات على هذا التغيير فلاحظوا أن المجتمعات تشهد تغيّر في أنماط معينة في السلوك وفي النفسيّة الجماعية وقت تفشي الأوبئة. تلك الأنماط تكاثرت إلى درجة أنها صارت فرعًا علميًّا يحمل اسمه الخاص: “علم نفس الأوبئة” أو (Epidemic Psychology).

الخوف من المجهول

كيف نحصّن صحتنا النفسية في زمن «كورونا»؟ | الشرق الأوسط

الخوف من المجهول يصيب المجتمع كاملًا، ويزداد بازدياد أعداد الضحايا، ويصبح أسوأ كلما رأى الفرد أن الوصول للقاح أمرًا ليس مؤكدًا.

المجهول في حالة الأوبئة يصبح أكثر سوادويَّة كلما اقترب الوباء من دائرة الفرد. في حالة المرض العضوي يشعر الإنسان بالخوف على نفسه فحسب، أما في حالة الأوبئة فلا يدري الإنسان هل يكون هو ضحية الوباء القادمة، أم يكون والده، أو ابنه، أو زوجه.

في حالة كورونا، يرتعب البشر من حداثة الوباء وعدم توفر معلومات حوله بالرغم من التطور التكنولوجي الذي وصلت إليه البشرية. كذلك يصاب العديدون بالشك في كل شيء، يشك الإنسان في ذاته وقدرتها على النجاة، يشك في المُقربين خوفًا من أن يكونوا مصدر دخول الوباء إليهم، يشك في الدولة بأكلمها وفي قدرتها على مواجهة الجائحة. لا يهم هنا مدى قرب الإنسان من الآخرين، ولا مدى نزاهة الدولة وثقته سابقًا في قراراتها وبياناتها، فلا شيء يُسيطر وقت الوباء إلا الشك.

حالة الشك في كل شيء، والخوف من المجهول الذي لا نعرفه، لخصَّها الفيلسوف توماس هوبز، بأنها «حرب الكل ضد الكل». هذه الحرب لا يحكمها المنطق أو العقل، ولن تضع أوزارها إلا حين يعلن الوباء استسلامه.

إعلان

التصرّف اللاعقلاني للإنسان

السلوك البشري بعد كورونا - التصرّف اللاعقلاني للإنسان
السلوك البشري بعد كورونا – التصرّف اللاعقلاني للإنسان

وقت الوباء يتكون السلوك الإنساني من نقيضين؛ العقلانية واللاعقلانية، غلاف خارجي من العقلانية والمنطق يُخفي الإنسان بداخله تحيّزاته وأفعاله غير المنطقية. في أوقات الهدوء يتمكن الإنسان من إخفاء لاعقلانيته وكبح جماحها قدر الإمكان. يساعده في ذلك الروتين اليومي الذي يقوم به؛ فالنمط المعتاد للحياة اليومية يُرسل رسالة طمأنة للفرد. الرسالة مضمونها أن كل مشكلة تواجهه قد حدثت لإنسانٍ ما سابقًا، بالتالي هناك حل موجود لها، وكل ما يجب عليه فعله هو البحث بهدوء عن الحل المختفي.

لكن في حالة الأوبئة يتلاشى الروتين، يجلس المنطق في المقعد الخلفي وتُمسك اللاعقلانية بعجلة القيادة. يخلع الإنسان نظارة الحكمة والهدوء، ويرتدي نظارة الخوف والقلق، فيُقدم على فعل ما كان يُنكره سابقًا. ويخلع ثوب الحضارة ويرتدي ثوب البدائية التي يفكر فيها الفرد في نفسه فقط، وفي تأمين احتياجاته الأساسية لأطول مدة ممكنة، ولو على حساب الآخرين.

لذلك نرى الناس تتدافع على مكاتب البريد و المخابز و أمام تجّار المواد الأوليّة، كما نرى في عمليات شراء مفرطة للأطعمة وأدوات التنظيف دون مبرّر كأن العالم سينتهي. هذه الحالات تخلق بدورها أزمات أخرى، كإرتفاع الأسعار و الاحتكار. وإذا افترضنا أن الحكومات طمأنت مواطنيها بأن السلع لن تختفي، وأن مخزون الدولة يكفي شعبها كاملًا عدة أشهر قادمة، فإن الإنسان يستمر في التخزين، لأنه هنا يُدفع بغريزته لا منطقه.

 

إعلان

 

العودة للأساطير و الخرافة

من بين التصرّفات اللاعقلانية و اللامنطقية للإنسان الرجوع إلى للخرافات و وصفات الأجداد. بعد ما كان العلم الحديث و التكنولوجيا يمثلان درعا يحتمي به الأفراد. و ذلك بسبب عدم توفر لقاح أو دواء للوباء الحالي.

لكل شعب تراثه الثقافي من الأساطير والخرافات، والحكم والخلطات الشعبية لعلاج مختلف الأمراض. فمثلًا في الصين أشار نائب وزير العلوم والتكنولوجيا شو نانبينج إلى أن 85% من المرضى الصينين في ظل أزمة كورونا قد تلقوا مزيجًا من العلاج الدوائي المعروف والعلاج الشعبي التقليدي. سواء كان هؤلاء المرضى من مرضى كورونا، أم من مرضى بأمراض أخرى، لكن المهم أن ثقتهم في العلم الدوائي قد اهتزت.

وبغض النظر عن مدى فاعلية الوصفات الشعبية فإنها تمنح الإنسان شعورًا بالطمأنينة أنه قد سلك طريقين للعلاج. في حالات التراث الشعبي قد يمتزج التراثي بالديني كما رأينا في الهند، إذ استضافت جماعة هندوسية حفلًا جماعيًّا لشرب بول البقر؛ اعتقادًا منهم أنه يحمي من الإصابة بكورونا، ويمكن إضافة أن الهندوس يعدون البقر مقدسًا؛ لذا فبوله هو بركة من بركات الإله.

بالنسبة لتونس، دارت شائعات من قبيل ” الثوم دواء كورونا” الذي سبب في ارتفاع سعر هذا الأخير و الوصول إلى احتكاره و انقطاعه من السوق في فترة ما.

إعلان

الرجوع إلى الدين

دار معنى ببغداد تناقش "مختصر تاريخ الأديان" | MEO

العودة للتراث واللجوء إلى أقوال السابقين بحثًا عن العلاج أو السكينة، لا يعني بالضرورة أن يرتفع منحنى التدين في المجتمع وقت تفشي الأوبئة، بل يضطرب الناس فيما يتعلق بالدين أيضًا.

يزداد التدين وتزداد ممارسة الشعائر الدينية. يقتنع الناس بصورةٍ ما بأنهم بحاجة إلى الدين، وأنهم في حاجة ماسة إلى السكينة التي يعطيها لهم الدين. خاصةً والأوبئة قد تحمل في طياتها نهاية الحياة كاملةً، أو نهاية الفرد فحسب، كما ذكرنا في نقطة الخوف من المجهول، فالإنسان لا يعرف ما يخبئه الغد؛ لذا يميل عقله لاختيار أسوأ سيناريو ممكن. وفي حالة إدارك الإنسان أن نهاية العالم قد تحدث فعلًا، وأن الواقع يختلف عن أفلام هوليوود في عدم وجود بطل منقذ سوف يظهر قبل نهاية الساعتين مدة الفيلم، يصبح الإنسان بحاجة إلى العالم الآخر.

آخرون قد يعودون إلى الدين بصفته الكاشف للمأساة والحل النهائي للوباء، يؤمنون بأن الإله هو من أرسل البلاء عقابًا، وأنهم حين يلتجؤون إليه فسوف يرفعه عنهم. كبعض الحالات التي حدثت في بدايات التسعينيَّات مع الظهور الأول للإيدز؛ إذ حدثت حالات تحول كبيرة في عقائد الأشخاص، ولجؤوا للدين كمحاولة لعلاج ما عجز عنه الطب. هذا الربط المباشر بين طاعة الإله وبين الوباء يصيب حامليه بارتباك حين تطول مدة الوباء. فيدخل بعضهم في صراع بين ما يؤمن به وبين واقعه المُعاش.

إعلان

السلوك البشري بعد كورونا –

الفرد و المجتمع

17 كاتبا عربيا يشهدون على لحظة العزلة التاريخية في "عالم كورونا ...

في حالة الوباء، يصبح المجتمع متناغمًا. و يكتشف الإنسان حقيقة أن لا نجاة للفرد إلا بنجاة المجتمع. د لا يتجلى ذلك في أيام الأزمة الأولى، حيث اللهاث المجتمعي وراء تكديس الطعام وأدوات الوقاية، لكن بعد أيام يكتشف الإنسان تلك الحقيقة.

لكن لا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان عن مخزونه للطعام للآخرين، بل يضع مخزونه في ثلاجة المطبخ ثم يخرج للشُرفة ليغني مع جيرانه كما حدث في إيطاليا. كذلك قد تشهد بعض المجتمعات ظهور مبادرات لإعانة الفقراء أو لتوفير أدوات الوقاية الباهظة لهم بسعر بسيط. تلك المبادرات تعني تماسك المجتمع، وتعني في الوقت ذاته أنانية أفراده، إذ تختفي وراء إدراك الأثرياء وذوي السلطة أن الفقراء قد يكونون هم جسر وصول الوباء إليهم، لذا فإعطاؤهم سبل الوقاية يحميهم كفقراء، لكنَّه في الوقت ذاته يقلل من الخطر المُحدق بالمقتدرين.

لكن كما يتصرف المجتمع ككتلة واحدة للنجاة بنفسه، قد يتصرف ككتلة واحدة لمهاجمة مجتمعات أخرى. ففي حالة كورونا شاهدنا التكتل الشعبي ضد ذوي الملامح الآسيوية أو ذوي الجنسية الصينيّة خاصة.

تعادي المجتمعات بعضها بعضًا، ويمكن أن تعادي الدول بعضها بعضًا بعد الأوبئة. الحكومات ليسوا إلا أفراد خرجوا من المجتمع، والمجتمعات في حالة الأوبئة تميل إلى الإيمان بنظرية المؤامرة و ذلك بسبب ندرة المعلومات الرسمية الموثفة عن الأوبئة وأسبابها.

 

قد تكون تلك التغييرات السابقة هي ما تُحدثه الأوبئة في البشر دائمًا، لكن هذه المرة عام 2020 يبدو الأمر أسوأ. لأن العالم اليوم شعر بانقطاع التواصل بينه وبين بعضه، كما لم يشعر في أي وباء سابق، لأن العولمة لم تكن قد نضجت بهذه الصورة. وتأثيرات الأوبئة قد لا يدركها البشر لحظة حدوثها، لكن عندما تنجو البشرية وتجلس لتلقتط أنفاسها، حينها سوف يطفو على السطح ما صنعَ بهم الفيروس.

والمؤكد أن البشرية جميعًا سوف تصاب بجائحة كورونا 2020، لكن تختلف الإصابة بين جسديّة ونفسية. وأن العدوى سوف تنتقل لكامل الجيل العالمي الذي شهد الوباء، ومنه سوف تُوَّرث إلى الأجيال اللاحقة. وأول ما سوف ترثه الأجيال مصطلح «كورونوفوبيا» الذي صيغ ليصف حالة الهلع التي باتت تنتاب بعض الأفراد حين رؤية شخص ذي ملامح آسيوية.

 

المراجع: 1، 2، 3، 4، 5، 6

 

إعلان

السلوك البشري بعد كورونا –

Facebook Comments