“وهمغرام”.. عندما يصبح انستغرام وسيلة لتزييف الواقع

0 196

إعلان

وهمغرام – في وسط زحام الأخبار اليومية، عن فلان مشهور قد تزوج و أخر قد أنجب و أخرى غيرت لون شعرها و أخرى إشترت منزلا يبلغ ملايين الدولارات. عن مستعملي التواصل الاجتماعي الذين يتناقشون منذ أسبوع حول ساعة رولاكس لأحد الممثلين و عن سبب طلاق إحداهن، عن الشعوب التي تضع مشاكل إقتصادها و صناعتها و سياحتها و نقائص مجتمعها من إغتصاب و فقر و بطالة و تحقير و هجرة غير شرعية على جنب لكي تتحاجج حول فستان فولانة الذي خدش الحياء و أخل بالأخلاق الرفيعة التي لا مثيل لها.

عن سبات عميق للعقل البشري الذي يترك لب الموضوع و يمضي بقية الوقت تحت رحمة اللايكات و التعاليق، نحن في عصر الرقمنة و التكنولوجيا و أنا لا أنكر ذلك، و نحن في القرن الذي أصبح من السهل إيجاد عمل عن بعد أو إرسال رسالة قد تغير حياتنا رأسا على عقب، أو حتى السفر.

سهل أن يصبح شخص عادي حديث الساعة إما بعمل فني، إختراع أو موقف و سهل أيضا إثارة الرأي العام، يتطلب الأمر ضغطة زر و موجة من التعاليق تغمر مواقعنا. لست ضد هذا الهيلمان و لا ضد الرقميات، فهي تشكل جزء لا يتجزأ من يومي و لكن منذ فترة و أنا ألاحظ هذا الهوس الذي أصاب عددا مهما من الناس، هوس الحياة المثالية، هوس إرضاء الناس، هوس ألاف المتابعين، هوس توثيق كل ثانية بكل ثبات و دقة مع حسن إختيار زاوية التصوير، هوس أن نكون الكل و لا نكون الأنا، هوس التقليد الأعمى، هوس الصور الإحترافية، هوس أن ننال إعجاب الناس، أن نسافر من أجل الناس و نحتفل من أجل الناس و نأكل من أجل الناس.

إعلان

إعلان

وهمغرام –

أصبح إثبات الوجود بأي طريقة إلزام، و الشهرة ضرورة و أن نكون فخرا و مصدر إلهام الجميع. ليغزوا كل المواقع و خاصة الانستغرام وجوه جديدة و قديمة ، يافعة أو كبيرة كانت، فتيات أو حتى صبية، الكل صار …… و أصحاب كلمة و مكانة هامة، لست ضد من يقوم بكل هذا من أجل إسعاد نفسه أو إرضائها، من إختار مثل طريق لنفسه و لكن يزعجني اليوم أن أرى الناس في سباق متواصل نحو أشياء غير ملموسة حتى، زائلة و صعب التحكم فيها, من أجل إرضاء الناس و كسب عطفهم و كلامهم المعسول.

يركض الجميع خلف أن تصبح صفحتهم على الانستغرام حاملة ل.. لا رغبة بل تقليدا أعمى أو محاولة لإثبات أنفسهم وسط الضوضاء.

أصبح الانستغرام موقع مقارنات، نقارن أنفسنا لمن إمتلك مليارات الدولارات، و مئات السيارات، و طاقم تجميل كامل، و فوتوشوب و تقنيات تصحيح و تحسين الثغر و الإبتسامة. أصبحت طبيعة شكل الناس تزعجهم، لذا الكل يحملون مرأة لتعداد العيوب. و بهذا صار الانستغرام مصدر قلق و توتر و ضغط دائم لفئة من الشباب الباحث عن هويته عن نفسه، ضياع متكرر بين أرقة اللايكات، شخصية الشباب في سن المراهقة أو حتى أرشد كالمتاهة بمثابة أحجية كل يوم يجد الحل.

في مثل عالم إفتراضي، قطيع غنم، كلنا في صف لامتناهي نراقب أقل حركات و تفاصيل مؤثري الانستغرام. لست ضد هذه الظاهرة أو بالأحرى الصاعقة، لكني لا أشاطر محتوى ما يقدمونه، كأن عماد الحياة مساحيق التجميل و الرحلات المجانية الممولة من وكالات الأسفار بغية إشهار من مؤثر يتابعه مليون شخص حول العالم و بعض المقتنيات و المشتريات الكاذبة.

إعلان

وهمغرام –

ظاهرة المؤثرين

أخطئ فهمها الناس فأصبح كل شخص مؤثر، محتوى يكاد يكون خال و مواضيع تكاد تكون بمواضيع، أصبحنا مهووسين بالكذب و الزيف: تزييف الواقع و تلوينه بالوردي أحيانا بالأصفر لأنه من صيحات هذا الصيف، نصدق و نخزن في اللاوعي أن الحياة بصفة عامة إما أن تكون مثالية أو لا تكون، إما أن نؤلف سيناريوهات و نعيش داخلها، فنلصق إبتسامة مزيفة و نخلق صداقات مفبركة مع القليل من النفاق الإجتماعي و محاولات فاشلة في تلميع الصورة: هكذا تكون إنسانا ناجحا في القرن الواحد و العشرين.

هناك العديد من المؤثرين الذي يسحرون الألباب حقا، مبدعون، فنانون، خلاقون، يقدمون الإفادة للجميع بطريقة جد نافعة: مصورون فوتوغرافيون يكشفون كل جزء من المدينة أو حتى يعبرون عن أرائهم من خلال عدساتهم، مسافرون و مغامرون يفتحون أبواب المعرفة ليجعلونك تعيش الرحلة و تكتشف حضارات و أمما أخرى، موسيقييون و مغنون و راقصون يبعثون البهجة و الرغبة في الإبداع، أصحاب مشاريع يافعين، محبوا التكنولوجيا و نقادها، أحباء المطالعة و الكتب و الذين يناقشون روايات و نظريات حتى فلسفية، مدونون و ناشطي المجتمع المدني….. و غيرهم من من يستحقون أن يكتسحوا شاشاتنا بدون أقنعة و فيلتر ، بدون أوهام.

لكل منا أذواقه و الكل حر في أن يتابع من يشاء، لكن الحياة الزائفة التي يقدمها مؤثروا هذا العصر لا يجب إتباع خطواتها، هذا الهوس الجماعي لإرضاء عقد الجميع و رسم إبتسامات على الوجوه متعب للغاية بل مضني يرهق نفسية المرء.

عدوى المؤثرين أصبحت حتى أخطر من ذلك الباعوض النمري الذي تجاهل أمره العديد ، غسيل دماغ صار عاديا . قد تضيع منا فرصة ألاف اللايكات لكن على الأقل مازلنا نستمتع باللحظة، نراقب غروب الشمس، نمسك بيد أحدهم أو نرقص على أنغام الأحلام و الأهداف الخاصة. و كأن الجميع إمتلكت يختا و جزيرة.


أيقن أن كلامي لن يعجب الجميع و لكن نبدو منومين أنستغراميا في كل لحظة من اليوم. عديد من الدراسات التي قامت بها أكبر الجامعات في العالم و العديد من الحوارات و النقاشات تؤكد على خطورة هذا الهوس الذي ذهب بعقول الجميع بل محقها، هذا التفكير السطحي و البسيط الذي يجعل الحياة في نظرة الجميع قائمة على الماديات و القوالب الجاهزة و الايتيكات. صارت الخصوصية في هذا العصر ملكا عاما، و نحن أيضا صرنا ملكا للجميع ما عدى ملك أنفسنا.

وهمغرام –

إعلان

وهمغرام –
Facebook Comments