أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ من السِّفَرْ

محمود درويش لا شيء يعجبني
969

إعلان

محمود درويش لا شيء يعجبني

“يقول مسافرٌ في الباصِ .. لا شيءَ يُعْجبُني لا الراديو و لا صُحُفُ الصباح , و لا القلاعُ على التلال. أُريد أن أبكي

يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ, وابْكِ وحدك ما استطعتَ

تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري’ فأعْجَبَهُ ونامَ’ ولم يُوَدِّعْني

إعلان

يقول الجامعيُّ: ولا أَنا لا شيءَ يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا حقاً أَنا؟

ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا شيءَ يُعْجبُني. أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً يُحاصِرُني

يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن اقتربنا من محطتنا الأخيرة’ فاستعدوا للنزول..

فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ.. فانطلق!

أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ من السِّفَرْ “.. محمود درويش

——

برأيي هذه القصيدة من أجمل ما كتب المناضل و الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي لطالما كان قلمه مختلف عن بقية الأدباء فله فلسفة و حبر خاص.

لا شيء يعجبني هي ما نبع من القلب الخافق بالحياة لشاعر صمد رغم تقلبات و غدر الأيام. تراود على القصيدة الطابع التكراري تكرار نفس الجملة بنفس الإيقاع للسجعية و التأكيد على ما يراود بال و ما يشغل تفكير الشاعر.

في البيت الأول يوضح كيف مل المسافر من الراديو و الصحف أي من الذوق العام الطاغي و من القيل و القال، مل من نفس الوجوه و الشعارات المزيفة و كأن الشاعر تنبئ بالوضعية الراهنة، هذه الموجة من الرداءة و الركاكة الفكرية التي تعصف بعقول الشباب لتجعل منهم أشباه عقول في سبات عميق لا تفقه ما تتحدث عنه بل لا تعي بخطورة تيار الميوعة و تقديس الإنحطاط الأخلاقي و تقبيل أيادي الإعلاميين بإنجازاتهم التافهة، حيث أصبحنا كالغنم يستهوينا كل ما يبلغ قائمة الأكثر مبيعا من كتب تجارية و الأكثر إستماعا لأغان لأشباه الفنانين و الأكثر مشاهدة لأفلام بدون معنى و تتحكم بنا الأشياء و نصبح مثل القشة في مهب الريح لا يمكننا الصمود.

 

– محمود درويش لا شيء يعجبني –

أما في البيت الثاني فهو يتحدث عن شهداء فلسطين و لوعة أمهاتهن و حرقتهن أما في الوضع الراهن كأنه يحاكي حالة بؤر التوتر و خاصة المجموعات الارهابية التي تستقبل الآلاف من الشباب المدمغج الظان أنه سيبلغ الفردوس و هنا يمكن حتى الحديث عن سوء فهم العديد منهم لدين الإسلام الذي ينص على السلام و التسامح و التأخير و قبول الآخر المختلف و إحترامه لا القتل و الفتك بأرواح الناس و هنا الأم تنتحب و تبكي لموت إبن رحل كأوراق شجر شهر سبتمبر و لم يعد تاركا إياها أمام قبره متلوعة.

البيت الثالث طالب الأركيولووجيا رغم دراساته المتعمقة فهو في حرب مع الذات يبحث عن هويته و جذوره في معركة الهوية مع عولمة متوحشة ملغية للأصول و العادات و هذه القضية تفاقمت أكثر خاصة مع أمركنة العالم و فقدان الهوية و هل يمكن لنا العيش دون هوية؟ من نحن ؟ أما البيت الرابع فالجندي يحارب ما خلقته التحالفات و تكتيكات الدولة أي أنه يدافع عن وطن سيخونه حكامه الذين أقسموا على حمايته فأقتسموه دون رحمة و تلذذوا بخيراته ليموت في الأخير جنود في أعمار الزهور، و هذا حال كل البلدان يبيعها حكامها و يسقيها شعبها الدماء. يصرخون نريد ما بعد المحطة أي أنهم سئموا وحل القرف الذين يتواجدون فيه و هم على إستعداد للتمردد من أجل إستنشاق هواء جديد على حاكم مستبد أما درويش فقد سئم السفر أي أنه مرهق من كل ما يحدث و قد خارت كل قواه من نضال و خط الألم و البكاء على الوطن فشدة وعيه و فطنته قد أثقلت كاهله و هو لا يقوى على الحراك تعب من السفر.

كل الشخصيات في الحقيقة تمثل بعدا من أبعاد الشاعر و بجمل بسيطة تحمل في طياتها معان يشكي محمود درويش حاله دون إنتظار شفقة أحد.

لا شيء يعجبني هو تجسيد لحالة درويش النفسية حينها و تلخيص لوضعية المثقف الذي لا يجد من يتفهمه بل يجد العديد من العوائق أمامه دون شفقة. هذه القصيدة أيضا و بالرغم من واقعية شخصياتها إلا أن لا أحد من أطرافها يجرأ حقا على التعبير عن رأيه بكل حرية في ذلك الزمن و حتى الآن يختبأ العديد خلف ستار الأكاذيب و الأوهام خشية من أن تعمي بصيرتهم نور الحقيقة. هذه القصيدة كأنها أفوريا أو مفهوم للمدينة الفاضلة لأفلاطون بأسلوب درويشي بإمتياز، ركاب ثورييون مأمنون بالقيم و المبادئ ميقنين للخلل و النقائص طامحين للعيش الكريم أما السائق الغاضب المستعجل فهو ذلك الجدار الذي لا يسمح لأحد بالمرور أو التغيير، حاكم مستبد أو أحكام مسبقة أو جهل حالك أو وباء الذل و الخوف و الخضوع.

 

– محمود درويش لا شيء يعجبني –

إعلان

Facebook Comments